محمد طاهر الكردي

149

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

والمروة ، لم تكن بهذا الوضع بل كانت كلها منحدرات ومنخفضات ومرتفعات بشكل غير منظم ، يصعب فيها المشي والصعود والهبوط ، فيما بين الصفا والمروة ، بل وجميع الطرقات بمكة . فلما استوطن الناس مكة من عهد نبي اللّه تعالى إسماعيل ، عليه الصلاة والسلام ، منذ أربعة آلاف سنة تقريبا ، جرى الإصلاح فيها بالتدريج ، شيئا فشيئا ، في مواضع سكناهم ، حول الكعبة المشرفة ، والأماكن القريبة منها ، فكانت الإصلاحات فيها قليلا جدا في عهد جرهم والعمالقة ، وهم أول من سكنوا مكة في عهد نبي اللّه إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، وكل ما كثر الناس بمكة زادت الإصلاحات فيها ، ولا يمكننا تعيين الأزمنة التي جرى فيها الإصلاح في طرقات مكة ومواضع عمرانها ولا بأس أن نقسّم تلك الأزمنة الإصلاحية على وجه التقريب والتخيّل إلى ستة أقسام ، وهي كما يأتي : 1 ) عهد نبي اللّه إسماعيل ، عليه الصلاة والسلام ، ففي هذا العهد جرى شيء بسيط من الإصلاحات في مواضع سكنى الناس ومحلات تجمعهم . 2 ) عهد قريش في الجاهلية ، ولقد جرى الإصلاح بمكة أكثر من العهد الأول ، ففي هذا العهد قسّم قصي بن كلاب أمور مكة إلى ستة أقسام كما ذكرنا ذلك في محله . 3 ) عهد ظهور الإسلام ، وهذا العهد أكثر من العهدين السابقين تقدما ووعيا ، وقد كثر سكان الناس فيه عما مضى ، حتى أن بعض كبار الصحابة ، رضي اللّه تعالى عنهم ، قد وسعوا المسجد الحرام عن العهد الأول كما ذكرنا بيان ذلك في محله . 4 ) عهد التابعين ومن بعدهم إلى نحو القرن الخامس للإسلام . ففي هذا العهد تقدم الناس كثيرا في المسائل الحيوية ، وفي أمور الدنيا وجرى الإصلاح في مواضع سكناهم بمكة وفي طرقاتها ، حتى أنهم قد وسعوا المسجد الحرام توسعة عديدة ، حتى كان بالقياس الموجود في عصرنا الحاضر ، قبل التوسعة السعودية . بل أنهم أصلحوا المسعى أيضا ، فيما بين الصفا والمروة ، وعملوا درجا للصفا ما زالت موجودة إلى اليوم ، لكنها مطمورة تحت الأرض بقرب درج الصفا ، كما شاهدناها بأنفسنا عند التوسعة السعودية في عمارة المسعى ، وقد نزلنا على أول هذه الدرجات القديمة ووقفنا عليها وأخذنا صورتنا الفوتوغرافية في هذه الحالة وإليك هذه الصورة .